يحيى بن معاذ الرازي

68

جواهر التصوف

* وشيخنا يحيى قد أعلن - في عبارته - توبته بقوله : فاغفر لي بلا توبة ، وهذا يصح عند من قال : اللهم اغفر لي ، اللهم تب علىّ ، ولا تقل : أستغفر اللّه وأتوب إليه ، فإنك قد تعود وتصبح غير صادق في استغفارك وتوبتك ، وهذا القول يردّه حديث أبي داود : « من قال أستغفر اللّه العظيم الذي لّا إله إلا هو وأتوب إليه ، غفرت ذنوبه ، وإن كان قد فرّ من الزّحف » فصيغة : « أستغفر اللّه » لا شئ عليها ، إنما التوقف عند البعض في « وأتوب إليه » إلا إذا كان قد أخذ في أسباب التوبة المعروفة ؛ من إقلاع عن الذّنب ، والنّدم على فعله ، والعزم على عدم العودة إليه أبدا . * * * 86 - « إلهي ، لا أقول : تبت ولا أعود ؛ لما أعرف من نفسي من نقض العهود ، ولكن أقول : لا أعود ، لعلّى أموت قبل أن أعود . » [ الوفيات : 6 / 766 ] . * هذه مناجاة لشيخنا يحيى بن معاذ رحمه اللّه ، فيها معنى العبارة التي سبقتها ؛ وفيها يعلن شيخنا عن ضعفه وافتقاره إلى عفو مولاه ، إنه ربّ غفور . * * * 87 - « زلّة واحدة بعد التّوبة أقبح من سبعين قبلها . » [ الرسالة : 81 ] . * وهذه العبارة تتفق مع رأى المعتزلة الذين يرون أن التائب إذا أذنب فقد نقض عهد التوبة مع ربه التي من شروطها عدم العود إلى الذّنب ، بينما أهل السّنّة لا يعدّون هذا نقضا للتوبة ، ويقولون : عليه أن يجدّد التوبة كلما استجد ذنب . ومن حديث أبي هريرة يرفعه : « إنّ عبدا أصاب ذنبا فقال : ربى أذنبت ذنبا فاغفره ، فقال ربه : أعلم عبدي أنّ له ربّا يغفر الذنب ويأخذ به ! ؟ غفرت لعبدي ، ثم مكث ما شاء اللّه ، ثم أصاب ذنبا فقال : ربى أذنبت آخر ، فاغفر لي ، قال : أعلم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به ؟ ! غفرت لعبدي ، ثم أصاب ذنبا فقال : رب أذنبت آخر ، فاغفر لي ، قال : أعلم عبدي أنّ له ربّا يغفر الذنب ويأخذ به ؟ قد غفرت لعبدي فليعمل ما شاء » رواه أحمد والشيخان . وليس معنى ذلك أن اللّه جل جلاله قد أذن له في فعل المعاصي كما يشاء ، ولكن معناه أن يغفر له ما دام على حاله التي علمها منه . . وهي عدم الإصرار على الذنب وأنه يشفع الذنب بتوبة ، كما هو الشأن في أهل بدر في قوله صلى اللّه عليه وسلم لعمر بن الخطاب : « إنه قد شهد بدرا ، وما يدريك يا عمر أن اللّه اطلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم » وكان ذلك لما أراد عمر ضرب عنق حاطب بن أبي بلتعة لإخباره أهل مكة بأن النبي صلى اللّه عليه وسلم يعدّ لفتح مكة . ويحكى أن بعض المريدين تاب ثم وقعت له فترة ، وكان يفكر وقتها : لو عاد إلى التوبة ما حكمه ؟ فهتف به هاتف : « يا فلان ،